الأربعاء، نوفمبر 03، 2010

مبادرة ولدت ميتة

تطرح الدعوة التي وجهها العاهل السعودي إلى الأحزاب العراقية لعقد محادثات في الرياض بعد موسم الحج العديد من التساؤلات وتذكر بالمخاطر والتحديات التي تحيق بالعراق الجديد.

في وقت كانت الأحزاب العراقية تتهيأ للاجتماع في أربيل و بغداد من أجل تسوية الازمة السياسية وتشكيل الحكومة، دعا الملك عبد الله السبت الرئيس جلال طالباني والقادة الآخرين للقاء في الرياض بعد عيد الأضحى.

المفارقة هنا، هو أن دولة مثل السعودية، التي لم تشهد مطلقا أي انتخابات في تاريخها و لاتسمح أو تعترف بأي حضور أو بروز للشيعة وليس لديها أو لا تعترف بأي أقليات عرقية، تحاول حل مشاكل ديموقراطية ناشئة ذات أغلبية شيعية وعرقيات وطوائف لايستهان بحجمها ومكانتها من الكورد والتركمان والكلدو-آشوريين.

ويمثل أسلوب صياغة الدعوة مؤشرا واضحا على عدم فهم الجانب السعودي للعراق الجديد وكذلك على عدم وجود نية حقيقية في مساعدته على حل مشاكله. فهي تذكر الرئيس طالباني بالاسم و"بقية الأحزاب التي شاركت في الانتخابات" وكأن المشكلة هي بين الرئيس طالباني والأحزاب الأخرى أو بشأن منصب رئاسة الجمهورية أو بين الكرد والعرب.

الحقيقة هي أن الجدل القائم هو بين العرب العراقيين أنفسهم. ففي يوم يكون الخلاف بين الشيعة والشيعة وفي يوم آخر يكون بين السنة والسنة، وفي أيام أخرى يكون بين الشيعة والسنة. ويساعد الموقف المحايد الذي يتمتع به الجانب الكوردي على تمهيد الطريق لتسوية هذا الخلاف.

ويدرك الكثير من العراقيين بأن توقيت هذه الدعوة يهدف إلى تخريب هذه المحاولات من أجل دق إسفين أعمق بين العرب والكرد وفي ذات الوقت إطالة وتعميق الخلاف السني–الشيعي في العراق.

ومن الاساس، فإن المملكة العربية السعودية غير مؤهلة للعب دور الوسيط في العراق ولا حتى فهم الفوارق الموجودة في هذا البلد المعقد والمتنوع. فلحد الآن لا يوجد سفير لها في بغداد وهذه نقطة مركزية لدولة تريد التوسط لحل مشاكل بلد اخر. لم تشطب السعودية أي من الديون او تخفضها رغم أن معظم الدول الأخرى الغربية والشرقية وبعض العربية قد فعلت ذلك.

الموقف السعودي من العراق قائم على مناهضة الشيعة. فطيلة سنوات رئاسته للوزراء، لم يتلق المالكي أي دعوة لزيارة السعودية. هذا بالإضافة إلى عدم حيادها ازاء الصراع الداخلي العراقي منذ 2003 وحتى الان.

فكيف يمكن للمملكة العربية السعودية أن تصبح وسيطا أو حكما بين الشيعة والسنة بين ليلة وضحاها؟

ومثلت ردود الفعل العراقية الأولية تجاه المبادرة برهانا واضحا على المصداقية المحدودة التي تتمتع بها السعودية في العراق. فقد رفضها الشيعة والكرد ورحب بها العرب السنة.

فبين حين وآخر، يسمع العراقيون خطب رجال دين سعوديين وهم يهينون المذهب الشيعي ورموزه ومن ضمنهم آية الله العظمى السيد علي السيستاني من على منابر الجوامع والمساجد في داخل المملكة وشاشات القنوات الفضائية الممولة من قبل السعودية.

ولم نسمع لحد كتابة هذا المقال أي إدانة من المملكة العربية السعودية لجريمة الاعتداء على كنيسة "سيدة النجاة" في الكرادة.

وبخلاف ما قالوه عن المبادرة بأنها تهدف لإيجاد حل عراقي شامل لتشكيل الحكومة، كان من الأفضل لو أنها عرضت بصراحة أكثر وعبروا فقط عن مخاوفهم من أحوال العرب السنة وقلقهم من حجم النفوذ أو التدخل الإيراني في العراق.

كما كان بالإمكان أن تعد المبادرة بصورة أفضل تحسبا لتبعاتها. ففي الوضع الحالي يبدو بأنها قللت من فرص إئتلاف العراقية في الحصول على مواقع جيدة في الحكومة القادمة. بل على العكس من ذلك، فأنها وضعت الكرد والشيعة في وضع أقرب من بعضهم البعض مما كانوا عليه وعملوا على تقوية الدور الإيراني في العراق بشكل أكبر.

فإذا وجه الرئيس الإيراني، محمود أحمدي نجاد (الذي زار العراق الجديد) دعوة مماثلة كتلك التي وجهها الملك عبد الله (الذي لم يعين الى الآن سفيرا للسعودية في العراق) فإنه من المؤكد بأن معظم العراقيين – ومنهم السنة – سيحضرون اجتماع طهران بدلا من اجتماع الرياض. غير أن أحمدي نجاد لن يتدخل بهذا الشكل في العراق لانه يبدو أنه يفهم العراق بصورة أفضل من السعوديين. وقد أثبتت الأشهر السبعة الماضية بأن أي تدخل في مفاوضات تشكيل الحكومة سيزيد من تعقيد المشهد السياسي العراقي.

عندما توجه العراقيون الى مراكز الاقتراع للإدلاء بأصواتهم، فعلوا ذلك من خلال فهمهم بأن العراقيين هم لوحدهم الذين يشكلون الحكومة وبأن المكان الوحيد لتشكيلها هو العراق. وأذا ما انحرف العراق عن هذا المبدأ، فإن الكتل السياسية ستكون المسؤولة عنه وسيدفع المواطن العراقي وليس غيره ضريبة ذلك.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق