في حين ينهمك المجتمع الدولي وقادتنا وإعلامنا والجمهور مع يوميات السياسة العراقية، تتحول بلادنا تدريجيا إلى مكان خطير للغاية، اي مجتمع لا يهضم الفوارق، يولد التطرف وتزداد عزلته يوما بعد يوم في عصر العولمة هذا. ومع كل يوم جديد تتجلى دلائل ذلك أكثر وأكثر.
فمرة تهاجَم الكنيسة وبعد بضعة أيام يحتفل المسلمون بعيد الأضحى وكأن شيئا لم يحدث.
بعد بضعة أيام، يقرر مجلس محافظة بغداد حظر بيع أو تقديم المشروبات الروحية في العاصمة.
بعد أيام أخرى، تمنع وزارة التربية تدريس مادتي المسرح والموسيقى في معهد الفنون.
في الأسبوع الماضي، يعلن رئيس الوزراء الحكومة الجديدة للبلاد بدون أي امرأة معلنا بذلك تخفيض عدد الوزيرات إلى الصفر بعد أن بدأنا بسبع وزيرات في الحكومة الأولى عام 2004.
هذا الاسبوع أحيا المسلمون ذكرى عاشوراء، و"كما هو متوقع من الأخوة المسيحيين" لم يحتفلوا بعيد الميلاد "احتراما منهم لهذا المصاب الجلل"! من المفيد التذكير هنا أن المسيحيين لم يحتفلوا بعيد الميلاد العام الماضي أيضا لنفس السبب.
الحكومة ومعظم الإعلام والجمهور يقولون بأننا جميعا متساوون ولكن الواقع مختلف. ففي حقيقة الأمر يوجد عراقيون سنة وعراقيون شيعة وعراقيون مسيحيون وعراقيون يزيديون وعراقيون مندائيون وعراقيون وعراقيون.
في عراق اليوم لو شاءت الأقدار وكنت امرأة أو كنت فنانا أو شخصا موهوبا أو علمانيا أو ليبراليا أو مسيحيا أو من مجموعة دينية أو اجتماعية أقل عددا، فحيز وجودك وحياتك في البلاد يتضاءل يوما بعد يوم. فالعراق ليس لك بقدر ما هو للآخرين المقتدرين الأقوياء. ولاتقوم السلطات بأي شيئ لإثبات العكس.
في بعض البلدان يضحى بالحريات وسيادة القانون من أجل إحلال الأمن أما في العراق فالأمر مختلف، الحد من الحريات وتقويض سيادة القانون يحدث للأسباب نفسها التي يقاتل من أجلها المتطرفون وليس لاعتبارات أمنية. ففي حقيقة الأمر قد يؤدي ذلك إلى نتائج عكسية، لأن الحد من الحريات وتقويض سيادة القانون والتمييز ستؤدي الى نفور عدد أكبر من الناس وبالتالي انخفاض الشعوربالإنتماء للبلاد وسيكون هذا بالطبع على حساب الأمن.
عندما تجري الأمور في أي مجتمع أو بلد على غير مسارها الطبيعي، سيكون من واجب القادة إعادة الامور الى نصابها. التحدي الذي يواجه العراق مختلف وأكبر. فلم يكن العراق أبدا بلدا لجميع ابنائه ومن واجب الجميع اثبات أن العراق الجديد هو عكس ذلك. فالقادة والإعلام والمواطن يتحملون مسؤولية مواجهة هذا التحدي. ولكن الأدلة اليومية لأدائهم لا توحي بأنهم قادرون على ذلك. ولكن من بين الثلاثة يتحمل القادة معظم المسؤولية.
فلو حضر أحد الزعماء مراسيم الصلاة في أحد الكنائس في ليلة عيد الميلاد، أو رد أحد الزعماء بقوة على قرارات أولئك الذين يريدون أن يعيدونا إلى عصور الظلام،
أو إذا ثبت المالكي على قراره بعدم العودة الى البرلمان بلا وزيرات، فستقوم وسائل الإعلام بتغطية ذلك وسيحذو الافراد حذوهم.
خطوات كهذه تساهم في منع أن يتحول العراق إلى دولة دينية من العصورالمظلمة وتجعل منه وطنا لجميع مكوناته.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق