الأحد، يناير 09، 2011

فراغ أمني عضال

يضيف الفراغ الأمني الحكومي، أي التأخير في تعيين وزراء الامن (الدفاع والداخلية والامن الوطني) في العراق دليلا جديدا على شلل السياسة في البلاد، بالرغم من المخاطر الأمنية المختلفة المحدقة بنا والتجارب الأمنية لمختلف الحكومات منذ عام ٢٠٠٣. واللافت هنا هو أن الأمن لا يزال من التحديات الأكثر إلحاحا وحاجة للعلاج، ولكنه لا يزال الملف الأكثر إشكالية وإثارة للجدل بالنسبة للحكومة ورئيسها.
ومن الأسباب الرئيسية لذلك هو شلل السياسة في العراق التي يبدو وأنها قد قلبت أولويات البلاد رأسا على عقب. وتجلى هذا الخلل الأساسي للعراق الجديد بوضوح عندما تأخرت تسمية وزراء الأمن في حين أنه كان من المفروض ومع الوضع الامني الحالي أن تبدأ مسيرة تشكيل الحكومة بتسمية وزراء الأمن في المرحلة الأولى وترك الوزراء الآخرين إلى المراحل التالية. خاصة وأن هناك تحديا أمنيا آخر مهما قطع العراق عهدا على إنجازه هو القمة العربية في آذار (مارس) القادم.

السبب الرئيسي للتأخير في تسمية الوزراء هو انعدام الثقة بين الكتل وبالتالي اعتماد نظام المحاصصة للوزارات الامنية أيضا في حين أثبتت الكثير من التجارب الأخرى أنه لا يمكن أن يتحقق الأمن إلا إذا أُخرجت السياسة منه، تماما مثل العديد من المجالات الأخرى لبناء الدول.

ولكن الحقيقة المرة أو المحزنة هي أنه مع الوضع الحالي لسياستنا، ستبقى هشاشة الأمن سمة رئيسية من سمات الدولة، لأنه وكما تبدو الأمور اليوم، فإن جميع أسباب تدهور الوضع الامني أو حتى الحرب الاهلية لا تزال قائمة. أولاً: خلل أساسي في السياسة؛ ثانياً: انعدام الثقة بين مكونات المجتمع؛ ثالثاً: عدم الثقة بقدرة الدولة على فرض الأمن؛ رابعاً: الانتشار الواسع للسلاح في البلاد.

ولكي يتحقق وضع أمني مستقر هناك عدد من المتطلبات التي يتوجب توفرها. يبدأ هذا بوجود قيادة قوية (غير بعثية) للبلاد تتمكن من تحشيد العراقيين للمشاركة في حفظ الأمن من جهة، وتخيف الذين يعتزمون زعزعة الأمن من جهة أخرى.

لحد الآن لم يتمكن العراق الجديد من إنتاج قيادة بهذه الصفات تمثل إرادة معظم العراقيين، ولا توجد أية مؤشرات لظهور قيادة كهذه في المستقبل القريب أو البعيد.

لأن ذلك يمكن أن يحدث فقط عندما تكون هناك عملية سياسية صحية تمثل الإرادة الشعبية وتخلق شعورا جماهيريا قويا بملكية البلاد. وهذا بدوره يسهم في خلق الولاء للدولة و تعزيز ثقافة سيادة القانون وإنشاء هوية مشتركة بين جميع العراقيين. أجواء كهذه تمهد الطريق لمجتمع مجرد من السلاح لأن السبب الأساسي لحيازة السلاح هو "الحماية" أولا وليس الهجوم. ويتطور بعد ذلك "التبرير" ليصبح "الهجوم" كونه "خير وسيلة للدفاع" عندها تتحول البندقية إلى مصدر للمعيشة.

عندما تتمكن الدولة من إقناع الفرد العراقي المالك للسلاح بأنها قادرة على حمايته، وعندما تزداد ثقته بالعراقي الآخر ويتوفر مصدر جيد لمعيشته يمنعه من اللجوء للبندقية؛ سيكون ذلك بداية وضع السلاح بيد الدولة وهذا شرط مهم لإنجاز تغيير حقيقي للوضع الأمني.

ورغم أن ذلك يبدو بعيد المنال في الظروف الحالية، تتحمل الحكومة والأحزاب والكتل السياسية مسؤولية بذل جهود حقيقية لخلق هذه الظروف وملئ هذا الفراغ الأمني الحكومي.

الحكم الرشيد سيضمن ظروفا معيشية جيدة للعراقيين؛ ومصالحة وطنية حقيقية من ناحية، وتعزيز ثقافة التسامح والغفران من ناحية أخرى ستخلق أو تعيد الثقة بين العراقيين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق