الانطباع الاول عندما تمشي في شوارع المدينة هو أنها مجرد مدينة عراقية فقيرة تحتاج الكثير من الاعمار والخدمات، ينهمك أهلها بتفاصيل حياة يومية هادئة.
ويتبدد هذا الانطباع حالما يضطرب الهدوء وايقاع الحياة في المدينة القديمة بحراس ومواكب الساسة الزائرين للمرجعية أولا ومرقد الإمام علي ثانيا. عندها يدرك المرء بأنها مدينة قادرة على قلب التوازن السياسي في العراق. الأمر الذي لايزال الكثيرون في العالم العربي السني غير قادرين على الاعتراف به.فمنذ عام 2003 أصبحت النجف مركزا مؤثرا في سياسة العراق الجديد. ومثلت في العديد من المراحل والمنعطفات نهاية المطاف السياسي للكثير من الازمات. فالعديد من الساسة والزعماء العراقيين يزورون المرجعية للحصول على التأييد أو المباركة، هذا الأمر حول المدينة إلى مركز محلي للصراع.
فكلما برزت مشكلة، سارع القادة السياسيون، وخصوصا الشيعة منهم، الى النجف محاولين أن يخلقوا الانطباع أو أن يقنعوا المرجعية بالوقوف معهم.
وبنتيجة لذلك أُجبرت القيادة الدينية في النجف أن تكون جزءا من الصراع في العديد من المناسبات - على الأقل في نظر البعض داخل العراق والأغلبية خارجه.
ومن العوامل الهامة التي ساهمت في خلق هذه الرؤية هو صمت المرجعية إزاء العديد من القضايا غير العراقية، كالانتخابات الإيرانية او الوضع في لبنان على سبيل المثال.
إن وجود آيات الله العظمى والزعماء الشيعة في النجف يجعل منها مدينة قابلة لأن تصبح مركز ثقل حقيقي للشيعة في العالم وليس في العراق فقط. ففي حين يطلق العديد من الشيعة عليها تسمية "فاتيكان الشيعة" بالامكان تحويل المدينة إلى فاتيكان للشرق الأوسط لو كف الساسة العراقيون عن التعامل معها كمركز محلي للسياسة العراقية و لو تغير تعامل العالم العربي معها بتقبلهم للواقع الجديد في العراق. وبالتالي يمكن ان يكون للنجف تأثير أكبر في الشرق الأوسط.
الكل يتذكر الدور الذي لعبته النجف في اسقاط شاه إيران بمجرد استضافتها لزعيم الثورة الاسلامية.
الذي نسمعه اليوم من العديد من الدول العربية هو الشكوى من النفوذ الإيراني في العراق فقط دون أن يتخذوا أي خطوة أوإجراء لتغيير ذلك. فبدلا من اعتبار شيعة العراق جزءا من ايران وغض النظر عن تحركات القاعدة في بلادهم بهدف الاعتداء على الشيعة ومزاراتهم في العراق، وبدلا من السماح بإهانة المذهب الشيعي ورموزه في منابرهم، يستطيع العالم العربي السني أن يتعامل مع النجف كمركز للمذهب الشيعي الأقرب للهوية العربية في جوهره.
فبنتيجة الاهمال العربي السني للنجف والشيعة في العراق أصبحت ايران تتمتع بزعامة المذهب الشيعي بلا منازع. وبطبيعة الحال تصبح النجف في وضع كهذا العاصمة الدينية، ومدينة قم العاصمة السياسية للشيعة في العالم. ويعتقد الكثير من المراقبين ويؤكد البعض منهم أن الصفقة التي أدت إلى تشكيل الحكومة العراقية قد تمت سرا مع السيد مقتدى الصدر في مدينة قم. تبرز اليوم فرصة جديدة لقلب المعادلة وإعطاء النجف دورا مختلفا عن الذي كانت عليه في السابق.
فمع اقتراب موعد انعقاد القمة العربية وتغييرموقف بعض الدول العربية من العراق، تظهر بوادر فرصة حقيقية لإعادة شيعة العراق الى العالم العربي. ولكن هذا لا يأتي من خلال البيانات أو الزيارات الخاطفة لأشخاص مثل السيد عمرو موسى فقط.
يأتي هذا من التزام علني عربي حقيقي بنجاح تجربة العراق الجديد ودعمها.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق