الخميس، يناير 27، 2011

كركوك: سرطان الجغرافيا وعلاج التاريخ

لو استمر الحال على ما نحن عليه اليوم، يمكن للمرء أن يتنبأ أنه و بعد خمسين عاما ستكون كركوك إحدى نقاط الخلاف بين بغداد و أربيل.
الخطاب السياسي الكردي اليوم يتمحور حول كون كركوك قلب كردستان أو قدس كردستان وفي واقع الأمر، كركوك هي الطفل المريض للعراق. وتحاول العائلة بأكملها أن تعالجه كلٌ على طريقته ولا يبدو أن أحدا قادر على النجاح.

فالمواقف المختلفة بشأن كركوك دليل على ذلك، الموقف الكردي هو الأكثر ثباتا والأكثر استمرارية من مواقف المكونات الأخرى التي تراوحت بين إنكار الهوية الكردستانية لكركوك إلى اتباع سياسة تعريب وتطهير عرقي منظمين.
القيادة الكردية تذكر الجمهور الكردي والعالم باستمرار بحقيقة أن كركوك كانت دائما نقطة حسم للمفاوضات والعلاقات والحروب مع بغداد ففي العديد من المنعطفات و المراحل التاريخية من مسيرة الحركة الكردية، كانت المطالبة بكردستانية كركوك وعدم المساومة عليها العامل الرئيسي في الانتكاسات أو الخسارات التي تعرض لها الشعب الكردي. وفي نفس السياق كانت كردستانية كركوك عاملا اساسيا في توحيد وحشد الشعب الكردي عبر التاريخ الحديث.
السبب الرئيسي في ذلك هو الاجماع الكردي على هوية ومصير كركوك الامر الذي كان دائما غير قابل للتفاوض. وكان هذا الاصرار ضروريا في أيام الثورة، ونظام صدام والعزلة الدولية، أما اليوم وبانتهاء الثورة و صدام و العزلة الدولية، الامر مختلف ولكن الموقف الكردي لازال كما هو.
فالقيادة السياسية وأحزابها والجمهور لا يقبلون بأي شيء أقل من تنفيذ المادة 140 والتي كانت في السابق المادة 58 من قانون إدارة الدولة.
وبغض النظر عن الحقائق التاريخية، والتاريخ الحديث للمحافظة، توجد اليوم عناصر جديدة على أرض الواقع خلقتها الأنظمة السابقة وحافظت عليها حكومة العراق الجديد ودول الجوار. ولا يمكن إزالة هذه الحقائق الجديدة بسهولة أو بسرعة على أقل تقدير.
بصرف النظر عما إذا كنت على حق أم لا، مغاليا أم لا، ملتزما بالدستور في مطالبك أم لا، قد يكون الإصرار والثبات على موقف ما في المفاوضات مفيدا، ولكن عندما يكون موقفك الأقل قبولا والاقل قابلية للتطبيق، عندها يتوجب عليك إعادة النظر في موقفك.
وبقليل من التمعن في مواقف الاطراف الاخرى من كركوك، يمكن للمرء أن يرى أن الجميع يقفون على جهة واحدة والكردي في الجهة الأخرى. فدول الجوار والقوى الاقليمية الاخرى تعمل بجد وقوة لمنع أي سيطرة لحكومة إقليم كردستان على كركوك. والحقيقة الأخرى هو أنه لا الأمم المتحدة ولا الولايات المتحدة ولا أي عضو آخر من المجتمع الدولي يدعم بشكل عملي تطبيق المادة 140 والتي أصبحت لديهم رمزا لإلحاق كركوك بإقليم كردستان، والعديد من التصريحات و التسريبات والتوصيات التي اصدروها سرا وعلانية تؤكد هذا الأمر. بل ويضع بعضهم اللوم على الكردي لعدم التمكن من استرجاع كركوك. يقول أحد قادة الجيش الاميركي في كركوك في عام٢٠٠٣ أنه "كان للأكراد فرصة لقلب الموازين بسرعة في عام 2003، لكنهم كانوا منهمكين بمنافساتهم الداخليه بين الحزبين الكرديين وبالنهب".
كل هذا يحدث بينما تتمسك القيادة الكردية بحل هذه القضية مع بغداد. والحقيقة هي أن تنفيذ المادة 140 كما يريد الاكراد لن يكون سهلا إن لم يكن مستحيلا فمع كل يوم جديد، يصبح الحل وفقا لمطالب الأكراد أكثر فأكثر صعوبة. والسبب بسيط: مع كل يوم جديد يُبنى شيء جديد في الاقليم وقد لاتكون من الحكمة المخاطرة به.
كحركة ثورية، وكمجموعة معزولة دوليا أو تحديا لنظام صدام حسين، كان من الممكن أن يقبل الجمهوربشعار كركوك أولا شيء. أما اليوم فيكاد يكون من المستحيل القول كركوك أو لا شيء، لأنه ليس حلا عمليا. لكن ذلك لا ينعكس في خطابنا السياسي الذي لا يزال يردد: كركوك أو لا شيء. و قادتنا اليوم يتحملون مسؤولية تغيير هذا.
فعندما تبدو الخطة الأولى غير قابلة للتنفيذ، قد يكون من المناسب البحث عن خطة بديلة من أجل تشخيصها، اعتمادها والترويج لها بين الجمهور الكردي. بخلاف ذلك، وعندما يصدم الناس بالواقع المر واستحالة إعادة كركوك بالطريقة التي وعد القادة بها، سيلقى عليهم اللوم بالفشل.
قد تكون "الشرعية التاريخية" للزعماء نقطة مثيرة للجدل في الديمقراطيات الناشئة ولكن قد تكون ذات فائده كبيرة في قضية مثل كركوك.
ففي المثال الفلسطيني، لا يمكن لمحمود عباس اليوم أن يفعل أو يقول ماكان ياسر عرفات يفعله أو يقوله عن الحق الفلسطيني. وبنفس القياس لا يمكن لقادة اليوم أن يفعلوا أو يقولوا ماكان يفعله أو يقوله الملا مصطفى البارزاني عن الحق الكردي. ولن يستطيع قادة المستقبل في كردستان أن يقبلوا بحلول لكركوك لم يقبلها مام جلال وكاك مسعود.
كلما مر وقت اكثر تصبح قضية كركوك أكثر تعقيدا وكلما أُسرعنا بالتفكير بالخطط البديلة، كلما كان من الأسهل الوصول الى تسوية دائمة لها ومنعها من أن تصبح مصدرعدم استقرار كردستان، والعراق والشرق الأوسط.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق