تمثل عودة رئيس وزراء حكومة إقليم كردستان برهم صالح مؤخرا من بغداد واتفاق حكومة إقليم كردستان وبغداد حول النفط والميزانية، حلقة جديدة من مسلسل العلاقات المتوترة بين اربيل وبغداد.
القصة التي لا يبدو أنها ستنتهي قريبا بسبب عدم وجود أي أفق لحل الخلافات المستمرة بينهما. فكل بضعة أشهر، تتصاعد لهجة التوتر بين المدينتين وتبدأ حرب تبادل الاتهامات بين الوزراء وغيرهم من المسؤولين في وسائل الإعلام يتبعها عادة اجتماع لرئيسي الوزراء يليه بيان وتصريحات تكاد تكون مستنسخة من الاجتماع الذي سبقه: "كان اللقاء إيجابيا وتمت تسوية جميع القضايا العالقة".ولكن في واقع الأمر يكون "الاتفاق" لتسوية القضية بشكل مؤقت يستمر إما لسنة واحدة في حال الخلاف على الميزانية، أو لفترة حكومة واحدة إما في بغداد أو في أربيل.
وهناك عدة أسباب لهذه العلاقة المتقلبة بين المدينتين والتي لايبدو أن لها أي حلول دائمية. والمطلوب هو تغيير في عقلية كلا الطرفين حول فهم طبيعة العلاقة الجديدة بينهما وقبول الواقع الجديد في العراق والعمل على تدابير حقيقية لبناء الثقة بين المدينتين.
تاريخيا، اتسم العراق بمركزية قوية يسيطر عليها ديكتاتور في بغداد، وكانت اربيل مركزا للمعارضة المسلحة ضد النظام. اليوم تغير الامر كليا، فبغداد ليست المركز القوي كالسابق وحكومتها منتخبة يشارك الكردي فيها كالبقية. واربيل اليوم عاصمة إقليم يحاول إعادة بناء ما دمرته بغداد على مدى 80 عاما.
لاتزال المدينتان تواجهان صعوبات في التعامل مع هذا الواقع الجديد. أربيل لا تزال ترسل "الوفد المفاوض" لحكومة هي جزء منها، وبغداد لا تزال تتصرف كما لو أنها تتكرم على اربيل باعطائها مالا تستحقه. وهذا إلى حد كبير قابل للفهم لان مفهوم الفيدرالية لايزال جديدا على الجميع في العراق الجديد.
الدستور يعطي بعض المبادئ العامة بهذا الخصوص ولكن التعامل اليومي يثبت أن لكل جانب فهمٌ مختلف للعلاقة الفيدرالية عن الآخر.
في حالات سوء الفهم أو الاتصال بين الأطراف السياسية يبرز عادة دور الساسة والتكنوقراط من أجل تبديد الضباب الذي يعكر صفو الأجواء.
حتى الآن، تولى الساسة فقط معظم العلاقة بين بغداد وأربيل فالوفدان اللذان يظهران على شاشة التلفزيون عادة ما يكونان الفريق الكامل لكلا الجانبين!
يقول مسؤول حكومي، غير سياسي، في اربيل أنه في معظم الاحيان "يحاول ساستنا حل القضايا المعقدة بمصافحات دبلوماسية على شاشات التلفزيون". ويقول أن غياب التكنوقراط في هذه المحادثات يسبب حالات سوء فهم جدية: "كل طرف يعتقد أنه وقع على شيئ مختلف".
والتصريحات و البيانات بعد كل لقاء تكاد تكون متطابقة أو تستعمل نفس المفردات، لأن المحادثات وفي المراحل المختلفة تدور بين نفس المجموعة من الساسة.
هذا الامر خلق انطباعا قويا لدى الجمهور بانعدام الشفافية في تلك المحادثات.
فالفرد العراقي ليس على علم بماهية تلك القضايا؛ ومن؟ وماذا؟ أو ما هو الذي يسبب التوتر في العلاقة؟ وكيف حُلَّت القضايا العالقة؟ ماذا كان الحدث الذي تسبب في حل القضايا؟
غياب أجوبة واضحة ومحددة لهذه الاسئلة، خلق شعوراً عاماً بالجهل والرفض أو حتى الاستياء من "الآخر" في العراق الجديد.
فقد كان من المفروض أن تكون المسافة بين الفرد الكردي والعربي أقرب بكثير مما هي عليه اليوم. وحقيقة الامر هي أن الحوار بينهما اليوم مشلول على أقل تقدير.
فالعلاقة العربية الكردية اليوم مختزلة في عدد من الساسة الاكراد الذين يعملون في بغداد (ويقضي معظمهم عطلته في كردستان) وسواح عرب يأتون إلى الاقليم خلال مواسم العطل وعدد صغير من رجال الأعمال. ولا يمكن لاي من هذه الفئات المساعدة على فهم واقع الجانب الآخر كرديا كان أم عربيا.
لإيجاد حلول دائمة، يحتاج ساستنا أن يخطوا إلى الوراء قليلا و أن يفسحوا المجال لجسورٍ أخرى غير سياسية بالامتداد بين المدينتين. وفي نفس السياق السماح للتكنوقراط من كلا الجانبين بتسوية القضايا العالقة قبل اجتماعات القادة السياسيين لوضع توقيعاتهم على اتفاقات واضحة وشفافة ودائمية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق