منذ بداية العملية السياسية الجديدة (2010) و حتى الآن تمكنت القائمة العراقية من فقدان مصداقيتها بشكل تدريجي مع حلفائها وخصومها واللاعبين الإقليميين والدوليين الذين كانوا داعمين لها ورأوا فيها عامل تغيير مهم في العراق الجديد.
وأثار انسحاب أعضاء العراقية من جلسة البرلمان الأولی الكثير من الشكوك حول قدرتهم البقاء كشريك سياسي يستطيع المرء أن يتعامل معه. وبينت الأعذار التي أتى بها قادتها خلال الاجتماع الثاني للبرلمان وفي التصريحات الصحفية، مدى الفوضى وعدم التنظيم في صفوفها ومزاجية أعضائها والكتل المنضوية تحت لوائها. فبينما صرح الدكتور رافع العيساوي والقادة الآخرون للعراقية بأن الانسحاب أتى نتيجة "سوء تفاهم"، وصف رئيس القائمة الدكتور أياد علاوي اتفاق تقاسم السلطة بـ "الميت" وغادر البلاد. كما برهن الانسحاب بأن العراقية غير قادرة على إعاقة سير العملية السياسية مثلما كانت تردد، وبأن العملية الانتخابية يمكن أن تمضي إلى الأمام معهم أو بدونهم.
وبعد ضمانهم لمنصب رئيس البرلمان، وباستخدامهم حجة عدم مصادقة البرلمان على الاتفاق السياسي وعدم رفع قرار اجتثاث البعث عن بعض شخصياتها، حاولت العراقية إيقاف عملية انتخاب رئيس الجمهورية وتسمية رئيس الوزراء في سعيٍ منها للحصول على أكثر مما تم الاتفاق عليه أصلا؛ إلا أنها فشلت في إيقاف التصويت وعدم اكتمال النصاب القانوني بل أن اعضاءها أصبحوا غير مؤثرين في انتخاب رئيس الجمهورية.
ولابد من التذكير هنا أنه عندما تواجههم المشاكل في المستقبل، وستكون هناك الكثير منها، سيتوجهون إلى الرئيس طالباني بحثا عن الحل. حينها سيقولون له "بالرغم من عدم تصويتنا لك، لكننا نريد منك المساعدة في التغلب على المشكلة!" وحينها، سيكون دعم الطالباني لهم تكرماً منه وليس واجباً تجاههم، ففي نهاية الأمر هم لم يصوتوا له.
والأهم من ذلك، فقد خسرت العراقية ثقة أهم حليف لها وهو مسعود البارزاني الذي جاءت مبادرته، برأي الكثير من المراقبين، لضمهم إلى العملية السياسية وتقديم الضمانات لهم.
لكن تصرفهم هذا سيجبر معظم الذين يريدون تقديم الدعم لهم، بالتفكير ملياً قبل اتخاذ أي خطوة أو موقف لصالحهم. فلقد أثبتوا أنهم غير موحدين ككتلة ولا يبدو بأن لهم قيادة قوية.
ومنذ إعلانهم للانتصار عقب دقائق من إغلاق صناديق الاقتراع عشية الانتخابات في شهر آذار الماضي وحتى يومنا هذا، أثبتت العراقية بأنه سيكون من الصعب جدا الاعتماد عليها ككتلة موحدة تستطيع إحداث تغيير حقيقي في البلاد.
فكل بضعة أسابيع، يخرج لنا متحدث جديد للقائمة ليقول كلاماً جديدا مختلفاً عما قاله غيره من قبل. كما يقول كل زعيم فيها كلاما مختلفا عن الزعيم الآخر؛ فلم نسمع لحد الآن خطابا سياسيا موحدا يبين مطالب القائمة أو رؤيتها لمستقبل الحكومة والبلاد. فواحد يقول نحن مع العملية السياسية وآخر يعلن أنها مسرحية وبأن اتفاق تقاسم السلطة "ميت".
للعراقية كثير من الزعماء، وكل زعيم يريد شيئا مختلفا عن الآخر، وكلما استجد شيئ أو حدث تطور جديد في العراق، لاحظنا تحرك العراقية في العديد من الاتجاهات.
ويبدو ذلك من رفضهم لاتفاق تقاسم السلطة مع المالكي في الأيام الأولى عقب إعلان النتائج؛ إلى رفضهم دعم ترشيح عادل عبد المهدي لرئاسة الوزراء وخسارتهم مؤخرا لثقة البارزاني الذي صاغ مبادرته خصيصا لينضم أعضاء العراقية إلى الحكومة الجديدة.
وعندما كان بعض اعضاء القائمة يقولون أنهم يدعمون مبادرة بارزاني من أجل إيجاد حل عراقي للأزمة، سارع الآخرون لتأييد المبادرة السعودية التي صُممت لإيجاد تسوية خارجية لقضية تشكيل الحكومة بعكس مبادرة البارزاني.
وبينما حضر العديد من نواب العراقية الجلسة الثانية للبرلمان، قام رئيس القائمة الدكتور أياد علاوي بالسفر إلى لندن معلنا أن اتفاق تقاسم السلطة "ميت" ومتكهنا بتدهور الوضع ألامني في البلاد.وبالرغم من العدد الكبير للمقاعد التي تشغلها في البرلمان، فقد تمكنت العراقية من خسارة الكثير من الفرص التي كان من الممكن أن تضعها في وضع أفضل مما هي عليه اليوم. ان سياسة "الكل أو لاشيء" التي تتبعها بالإضافة إلى غياب قيادة قوية ووجود انقسامات داخلية واضحة، تثير الكثير من التساؤلات حول إمكانية استمرار العراقية ككتلة سياسية موحدة في المرحلة القادمة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق