الأربعاء، ديسمبر 08، 2010

مد الجيران وجزر الاميركان

تتراجع أهمية دور الولايات المتحدة في العراق يوما بعد يوم. وسبب هذا ليس ويكيليكس وانما أداؤه الاميركان خلال السنة الماضية. فمحاولاتهم الأخيرة في عملية تشكيل الحكومة تظهر ‌‌أنهم فقدوا الاهتمام بتفاصيل السياسة العراقية ويركزون جل اهتمامهم على إتمام انسحابهم دون التفكير بمستقبل المنطقة ودورهم فيها.

ومن الواضح أن الرئيس الاميركي باراك أوباما بدأ بالتخطيط لحملته الانتخابية من الآن، خاصة بعد نتائج الإنتخابات النصفية للكونغرس. فهو يعمل من الآن على جمع الأرقام والإنجازات لاستخدامها محليا في سعيه لإعادة انتخابه.

يقول أحد زملائي المتابعين للسياسة الأميركية في الشرق الأوسط أن الولايات المتحدة و الرئيس أوباما لن يُقبلا على أي خطوة من شأنها أن تزعزع مكانته الداخلية في السنة القادمة وذلك لكي لاتؤثر على حملته في العام الذي يليه.

هذا الحذر على وضعه الداخلي سيؤثر بالتأكيد على هيبة ومكانة الولايات المتحدة في العراق والمنطقة. وإذا استمر الوضع على ماهوعليه، فإن أهمية الولايات المتحدة ستصبح أقل وأقل وستقوم دول مثل ايران والسعودية وتركيا بملء الفراغ الذي ستتركه الولايات المتحدة وراءها. وكما تبدو عليه الأمور، فإن الولايات المتحدة لا تخيف أحدا بعد الآن وصداقتها أصبحت عبئا أكثر من أن تصبح مفيدة للصديق. فمهاجمتها باتت أسهل وأكثر أمانا بكثير من مهاجمة معظم الجيران. فإذا هاجمت الولايات المتحدة، ستراهم على بابك ليروا ماذا تريد. وإذا هاجمت الآخرين، رأيتهم على بابك أيضا ولكن للتأكد بأنك لن تفعل ذلك مرة أخرى. إذا كنت صديقا لأميركا، فستكون أول من يُطلب منه أن يقدم التنازلات حتى في حالات إيجاد الحلول السريعة والمنقوصة للأزمات. أما إذا كنت عدوا لها، فستقوم بكل ما في وسعها من أجل إرضائك. وفي هذا السياق، يعتقد البعض في الولايات المتحدة انه إذا تم سحب القوات فسيكون للولايات المتحدة نفوذ أكبر. في حقيقة الأمر، العكس تماما هو الصحيح.

فالفجوة التي ستتركها الولايات المتحدة ورائها، يجب أن تملؤها دولة فاعلة قادرة على الاستجابة لمختلف التهديدات والتحديات الأمنية وقوية بما يكفي للوقوف على قدميها. آخذين بعين الاعتبار الأحداث التي شهدها العام الماضي والمخاطر المحدقة بالبلاد، يكاد جميع المراقبين أن يتفقوا بأن هذه الدولة سوف لن تكون العراق.

فبكل المقاييس لن يكون العراق جاهزا بحلول موعد الانسحاب وفي أول تحد خارجي حقيقي وسيفتح ذلك الباب للجيران بالتدخل أكثر وأكثر. وعمليا سيكون فك الارتباط الاميركي بداية الفشل الحقيقي في العراق الذي سينزلق تدريجيا في أيدي أعداء أميركا وحلفائها الزائفين في المنطقة.

من المهم أن نلاحظ هنا أن صورة العراق الجديد والولايات المتحدة في وسائل إعلام تلك الدول، لا تزال من أسوأ الصور وهذا ساهم بشكل كبير في زيادة حجم التطرف الإسلامي والعداء الحقيقي للعراق والولايات المتحدة.

لذا فمن الضروري بالنسبة للولايات المتحدة أن تترك وراءها دولة متماسكة وعملية سياسية قادرة على الدفاع عن نفسها والوقوف على قدميها. ما نراه في حياتنا اليومية وعلى شاشات التلفزيون لا يوحي على الإطلاق بان العملية السياسية والدولة العراقية قادرتان على القيام بذلك. فالتركيبة السياسية للحكومة العراقية والجهاز الإداري المتآكل المصاب بسرطان الفساد، يقدمان دليلا واضحا على ذلك. وبإلقاء نظرة سريعة على عناصر التشكيلة الحكومية الحالية تؤكد أن الاحتمال الاكبر هو أن تراوح عملية بناء البلاد مكانها.

صحيح أن جمع الفرقاء في غرفة واحدة يشكل بداية جيدة لعملية المصالحة ولكن ليس لإعادة بناء البلاد الذي سيعتمد بشكل رئيسي على العلاقة الجيدة والتناغم بين أعضاء الفريق الحكومي. فعلى سبيل المثال سيضيف المجلس السياسات الاستراتيجية طبقة بيروقراطية أخرى للعملية السياسية والحكومية. ولذا فالتحدي الأكبر بالنسبة لنا جميعا هو فصل السياسة عن الجهاز الإداري للدولة. ويتم ذلك عن طريق العمل الجاد لوضع آليات من شأنها أن تقوي وتعزز مبادئ الحكم الرشيد والشفافية في إدارة شؤون البلاد. بالإضافة إلى المكافحة الحقيقية للفساد، والتأسيس لإعلام حر قوي وإنجاز مصالحة وطنية حقيقية. الولايات المتحدة مستعدة للانسحاب ودول الجوار مستعدة لملء الفراغ والعراقيون يتحملون مسؤولية منع كليهما من الحدوث.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق