الأربعاء، ديسمبر 08، 2010

إعلامنا وأحزابنا!

عقدتُ خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي دورة تدريبية لكادر قناة تلفزيون لم تبدأ البث بعد ويقول مديرها انه يريد أن يرسخ فيها قيم الصحافة المهنية والرصينة.

والنقطة الرئيسية التي كنت أؤكد عليها دائما هي القيمة الخبرية للمادة الموجودة بين يدي الصحفي وكيف تشكل لبنة أساسية للصحافة المهنية والرصينة لأنها تجلب العدد الأكبر من الجمهور للوسيلة الإعلامية. للقارئ غير الصحفي: تعني القيمة الخبرية للمادة الصحفية اعتماد مقياس حاجة الجمهور للأخبار والمعلومات التي تملكها القناة واعتماد نسبة الحاجة إلى تلك المعلومات والأخبار في ترتيبها وعرضها على الجمهور.

وبعد عدد من الجلسات والحلقات النقاشية، قمنا بدراسة عدد من النشرات الإخبارية لنفس اليوم والتي بثتها مجموعة من القنوات التلفزيونية التي تعود ملكيتها جميعا الى أحزاب سياسية مختلفة. كشفت تلك النشرات الخلل الكبير أو الشلل والعجز الذي يعاني منه الإعلام الحزبي. في إحدى التمارين، طلبتُ من الصحفيين بأن يعيدوا ترتيب أخبار النشرات بحسب اهتمام الناس بها والمقياس كان تقدير عدد الذين تؤثر الأخبار في حياتهم اليومية. وكانت النتيجة بأن النشرة انقلبت رأساً على عقب! فاحتلت أخبار غلق محطات الوقود المتنقلة والتفجيرات التي وقعت في تلعفر وجلولاء المرتبة الأولى فيما جاءت أخبار لقاءات الزعماء في المرتبة الأخيرة!

وفي تمرين آخر، وبعد مشاهدة نشرات أخبار قناتين تلفزيونيتين تمكنا من التنبؤ تماما بما سيرد من أخبار في نشرة القناة الثالثة! كما استطعنا أن نتنبأ بما سيرد في القنوات التلفزيونية الأخرى بحسب الحزب السياسي الذي يملكها.

نظرة خاطفة على القضايا والمواد التي تتناولها وسائل إعلامنا أو التي توردها في تقاريرها، يتضح لنا بأن الصحافة هي ملحق للسياسة في البلاد – فوسائل الإعلام المناصرة للحكومة تمدحها والمعارضة تنتقدها.

فالسياسة تحتل الحيز الأكبر من إعلامنا وعدد المهتمين بالسياسة في معظم المجتمعات أقل بكثير من غير المهتمين بها. وبالتالي توفر وسائل إعلامنا الخدمة للساسة وللمتابعين لأخبار السياسة، وتفشل في تقديم المعلومة التي يحتاجها الناس في حياتهم اليومية.

ويلاحظ الكثير من الصحفيين الغربيين الذين أعرفهم أن إعلامنا لازال يتصرف كلسان حال حزب سياسي أو جهة سياسية معينة في مرحلة المعارضة ولم يتحول حتى الآن إلى مرآة حقيقية لمجتمع يحاول إعادة بناء نفسه. في هذه المرحلة التي نواجه فيها تحديات عديدة، ينبغي على إعلامنا أن يصبح المرآة التي يرى فيها مجتمعنا نفسه وأن يكون مقياسا لنا في معرفة مدى التقدم الذي بلغناه. حتى الآن، لم نبلغ هذه المرحلة لأننا مازلنا بحاجة إلى قراءة العديد من الصحف ومتابعة الكثير من القنوات التلفزيونية من أجل الحصول على صورة متكاملة لما يجري في البلاد.

وبعكس صحافة الديمقراطيات المتقدمة، لا يوجد لدينا حتى الآن مصدر واحد لأخبارنا اليومية يمكن أن نعتمد عليه. ويعود السبب الرئيسي في ذلك إلى أن وسائل إعلامنا إما مملوكة من قبل الأحزاب السياسية الثرية التي تعطي الأولوية لإخبار الجمهور بآرائها وجدول أعمال زعيمها اليومي؛ أو أنها مملوكة من قبل القطاع الخاص غير الثري، تنشر ما لا تريد الأحزاب السياسية نشره.

وبالنتيجة، لا يقدم أي منهما صورة متكاملة لما يحدث في الواقع وفي أحيان كثيرة يعمل كل منهما بطرق وأساليب مماثلة ولكن بمحتوى مختلف. هذا الجمود لن ينكسر ما لم يأخذ أحدهما زمام المبادرة.

فإذا قام مستثمر غني، له الرغبة في تغيير هذا الواقع ليغدو المزود الوحيد للمعلومة الصادقة التي يحتاجها الجمهور، بالاستثمار في مجال الإعلام؛ سيكون المردود كبيرا خاصة عندما يستحوذ على اهتمام الجمهور الواسع المحتاج للمعلومة وبالتالي سيستحوذ على الإعلان. وفي حال حدوث ذلك، سيتراجع الإعلام الحزبي أكثر ولن يتمكن من اللحاق بهذا التقدم.

أما إذا قررت الأحزاب السياسية الخروج من هذا الجمود، فعليها إجراء إصلاح شامل لسياستها الإعلامية الحالية وذلك عن طريق وضع حاجة الناس للمعلومات فوق حاجة الحزب إلى إخبار الناس بنشاطاته وفعاليات زعمائه.

ويتم ذلك من خلال فصل الأخبار عن الدعاية والرأي وعملياً يعني ذلك أن يصبح قسم الأخبار في أي مؤسسة إعلامية مستقلا بالكامل عن بقية الأقسام ولا بد من أن يُدار من قبل صحفيين مهنيين ومحترفين ليسوا بالضرورة حزبيين يُولون لكل مادة قيمتها الخبرية الصحيحة آخذين بعين الاعتبار حق الجمهور وحاجته لمعرفة ما يجري من أحداث حوله. خلاصة الكلام، توجد الآن فجوة إخبارية ومعلوماتية كبيرة في مجتمعنا. والفائز من يملأ هذه الفجوة أولا. المستثمر سيكسب الجمهور ويجني الأرباح والأحزاب ستكسب الجمهور وتجني الأصوات.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق