يشجع الإسقاط البطولي لحكام مصر و تونس، العديد من مواطني (فيسبوكستان وتوترستان) على إسقاط حكامهم أيضاً. (الأسبوع الماضي كتبت عن الوطن الافتراضي الجديد: فيسبوكستان وتوترستان).
ولكن التحدي الحقيقي لهؤلاء الثوار يبدأ الآن، فتمثل هذه الفترة الانتقالية فرصة لنقل الثورة إلى المرحلة التالية أو إرجاعها إلى المربع الأول.
ثوار هذه الديمقراطيات الجديدة يحتاجون إلى قيادة ذات رؤية واضحة لإعطاء توجه موحد للمستقبل. يحتاجون إلى حكومة قوية بإمكانها، في بعض الأحيان، أن تقوم بدور الرادع وأن تكون موحدة الى حد يمكنها من أن تحكم بمهنية.
ما يجري اليوم في تونس ومصر يذكرنا بحالنا في عام 2003 في العراق. فالنظام تغير ولم يكن للعراقيين قيادة موحدة وبالتالي لم تتوفر الرؤية او الشعور بهدف مشترك للمستقبل.
وهذا أضعف تدريجيا الشعور بملكية العراق الجديد لدى الفرد العراقي، الأمر الذي شكل العامل الرئيسي في زيادة جميع أنواع الفساد وعلى مختلف المستويات.
العامل الآخر في العراق كان الحكومة الضعيفة التي لم تملك أي قوة رادعة والذي أدى إلى قيام مناطق أمنية مختلفة مسيطر عليها من قبل قوات تابعة للأحزاب وهذا بدوره أدى إلى تبني نظام المحاصصة الطائفية والعرقية والسياسية في تقسيم السلطة لإدارة شؤون البلاد.
المثالان المصري والتونسي مهددان اليوم بفساد متزايد ومؤسسات دولة ضعيفة بسبب عدم وجود قيادة أو رؤية موحدة للثوار الجدد. وبنفس الوقت تقام العديد من المظاهرات في أرجاء العالم العربي معظمها تطالب بتغير الأنظمة، وإن شاء الله ستتمكن من ذلك. المكان المختلف الوحيد هو العراق. فالفساد المالي والسياسي اليوم في العراق يمثل السرطان الذي ينهش في جسد الدولة العراقية الجديدة وإقليمها الكردي. وبالتالي المظاهرات العراقية لا تطالب بتغير النظام لحد الآن. المظاهرات هي ضد الفساد و المسؤولين الفاسدين.
المظاهرات تطالب بالحد الأدنى للخدمات والحقوق وإن لم تنفذ هذه المطالب، عندها سيقول المتظاهرون ان النظام الحالي المغّير أصلا ليس قادراً على العمل وعليه أن يتغير.
آخذين بعين الاعتبار التجربة العراقية، سيكون السيناريو المتوقع للديمقراطيات الحديثة هو تشكيل حكومة وحدة وطنية شبيهة بحكوماتنا وهذا بدوره سيؤدي إلى تبني نظام المحاصصة لتوزيع الوزارات. وسيمهد ذلك الطريق لزيادة الفساد ووجود مسؤولين لا يمكن محاسبتهم ويفسح المجال للتدخلات الخارجية، كل هذه عوامل تضعف الدولة الجديدة.
الشرق الأوسط الجديد على مفترق طرق الآن. والمنافسة اليوم هي بين البلدان المختلفة لشق طريق جديد للديمقراطية والاستقرار والازدهار. يمتلك العراق، وإقليمه الكردي، سجلاً مليئا بالفشل في محاربة جميع أنواع الفساد. والوقت ليس متأخرا لحد الآن، فبالإمكان البدء بحملة حقيقية ضد الفساد تحظى بشعبية كبيرة وتجمع الناس حولها.
وبخلاف ذلك فالتجربة العراقية ودروسها موجودة أمام مصر وتونس وان شاء الله الدول الأخرى التي ستغير حكامها. وان تكررت تجربة العراق، فخلال سنوات سينتهي بها الأمر مع سياسة عجيبة وغريبة تشل التطور في البلاد، وفساد مختلف عن الذي كانوا يعانون منه، وحكومة منتخبة غير خاضعة للمسائلة والمحاسبة تسيطر عليها أكثرية عقائدية متشددة ومغلقة، وأقلية معتدلة علمانية ليبرالية تطالب بالحقوق الأساسية والحريات الفردية "في ساحات التحرير".
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق