بعكس الثورات الأخرى، اتسم يوم غضب العراق بارتياب السلطات وارتباك المتظاهرين وعدم وضوح الشعارات. كل هذا يساهم بشكل أكبر في تعقيد المشهد وزيادة الفوارق و ازدياد الغموض أكثر حول مستقبل ووجهة هذه الاحتجاجات.
القضية في شمال أفريقيا كانت أسهل بكثير، الشعوب كانت منقسمة إلى جبهتين: أقلية تدعم النظام وأكثرية تعارضه وتطلب رحيله وبالتالي كانت التغطية الإعلامية أكثر وضوحاً وأسهل بالنسبة لوسائل الإعلام.
بالرغم من أحقية المطالب التي رفعها المتظاهرون في العراق بما في ذلك اقليمه الكردي، فالكلمة الأولى التي تتبادر للذهن لوصف يوم غضب العراق هو الإرباك.
وهذا ما انعكس بشكل جلي في التغطية الإعلامية المحلية والدولية لليوم. فبالإضافة لفوضى المطالب، ظهرت الفروق السياسية والعرقية والطائفية مرة أخرى. فالفارق الشيعي السني كان واضحاً أكثر من أي وقت آخر. فالسنة والعلمانيون خرجوا للشارع في حين بقي أتباع المرجعية في البيوت.
أما على الصعيد الكردي، فقد دعمت حركة التغيير المعارضة المتظاهرين، بينما التزم الاتحاد الوطني الذي يتزعمه الرئيس جلال طالباني الصمت. وفي الحقيقة يتكهن بعض المراقبين بأن الاتحاد الوطني دعم التظاهرات بهدوء بلقائه زعيم حركة التغير نوشيروان مصطفى في نفس اليوم. أما أربيل فكانت هادئة.وفي وقت تدفق المتظاهرون الى الشارع في السليمانية، تدفقت سيارات مناصري الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يتزعمه رئيس اقليم كردستان مسعود بارزاني الى شوارع أربيل في مشهد احتفالي عزاه المراقبون إلى استعراض للعضلات أو استباقا لأي تظاهرات محتملة في مناطق نفوذ الحزب الديمقراطي.
وبشكل عام اتسم رد فعل السلطة بالريبة والخوف فردود الفعل في بعض المناطق لم تتناسب مع مطالب المتظاهرين ودعواتهم التي تمركزت حول الحكم الرشيد، القضاء على الفساد وتوفير الخدمات.
وعلى عكس الثورات الأخرى، كان غياب مطلب تغير النظام ملحوظاً في العراق وفي نفس الوقت افتقدت شعارات المتظاهرين إلى التركيز والوضوح والإيجاز والسبب الرئيس لذلك هو أن هذه المطالب تصلح أكثر أن تكون لنقاش الخبراء والساسة في غرف المفاوضات والاجتماعات، وليس في "ساحات التحرير".بقليل من التمعن في المشهد اليوم نلاحظ أن السلطة والمتظاهرين عالقان في مواجهة، ولا يوجد أي أفق لإنهائها فالمطالب ليست محددة وواضحة ومصاغة بطريقة تمكن المتظاهرين من أن يقرروا متى وكيف سيتم تنفيذها أو تلبيتها لكي يتركوا الساحات تلك.
الحالة اليوم قابلة للتصعيد والوصول الى حد أكثر تعقيداً مع كل يوم يمضي. في حين لا يمكن لأي سلطة أن تنكر أحقية المطالبة بمحاربة الفساد وتقديم الخدمات، على المتظاهرين أن يعرفوا أن هذه المطالب لا تتحقق في ليلة وضحاها فهي تحتاج الى خطة شاملة تكون في معظمها طويلة الأمد ولكن فاعلة.في هذه المواجهة والإرباك ينبغي على المتظاهرين صياغة مطالبهم بطريقة أكثر تحديدا ووضوحاً ودقة.
فعلى سبيل المثال: بدلا من المطالبة بالقضاء على الفساد، بالإمكان مطالبة الحكومة باتخاذ قرار لفتح ملفات وحسابات المؤسسات الحكومية. أو بالإمكان المطالبة بسن قانون يضمن لكل مواطن حقه في الحصول على أية معلومة.
بغياب هذا الشرط، تستطيع السلطات أن تأخذ زمام المبادرة وتتخذ جملة من الإجراءات تتكفل بنزع فتيل المواجهة. فمع كل ساعة كهرباء إضافية دائمة، ينقص عدد المتظاهرين عشرة. ومع محاسبة كل مسؤول فاسد، ينقص عدد المتظاهرين مائة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق