للباحثين عن الإجابة حول سبب معارضتهم إزالة نظام صدام، وتأييدهم لإزاحة نظام القذافي، أقول: لا تضيعوا وقتكم في البحث عن الإجابة.
أنظروا إلى العراق. صور ليبيا اليوم تذكرنا بنظام صدام وانتفاضة العام 1991. وبدلا من البحث عن التبريرات لسلامة موقفكم في 2003 وسلامته اليوم أيضا، أقترح أن تكون لديكم الجرأة الفكرية والأخلاقية للاعتراف بالخطأ الذي ارتكبتموه العام 2003 وبصواب موقفكم اليوم، والاعتراف بأن عداءكم للولايات المتحدة وجورج بوش، غيّب الصواب عنكم.
فالمقارنة بين الحالتين أمر خاطئ، لأنه لا الزمنين ولا البلدين ولا العالمين قابلان للمقارنة. فالمقارنة بين عراق 2003 وليبيا 2011 مقارنة خاطئة، لأن عملية 2003 جاءت متأخرة بإثنتي عشرة سنة.
ما نراه اليوم في ليبيا يعيد إلى الأذهان (في العراق على الأقل) انتفاضة 1991 التي بدأت بعد هزيمة نظام صدام وطرده من الكويت، وسيطرة العراقيين على الجنوب بكامله وكوردستان العراق، لتبقى سطوة صدام في بغداد وبعض المناطق المحيطة بها، أو ما سمي لاحقا بالمثلث السني.
حينها قام المجتمع الدولي بعكس ما يقوم به اليوم تماما. فبعد سماحهم لصدام ونظامه بتحريك مروحياته لقمع الإنتفاضة، قام صدام بقتل عشرات الآلاف من العراقيين، وبعد نجاحه في الاحتفاظ بالحكم، أرجعنا الحصار المفروض على البلاد إلى العصور الوسطى، فعوقب بذلك العراقيون لا النظام.
من المفيد التنويه هنا بأن معظم العداء للأمريكان والغرب في العراق، يأتي من خيبة الأمل في السنين الـ 12 هذه. توجد بالطبع أوجه أخرى للمقارنة بين الحالتين، والتي يفترض أن تدرس بشكل دقيق، كي يتم فهم أوجه الشبه والإختلاف.
العراق تجاوره إيران التي حاولت أن تسيطر على الانتفاضة، والسعودية التي أقنعت الأمريكان بالسماح لصدام أن يقمع الانتفاضة، كما تبين من المذكرات المختلفة حول الحرب. أما ليبيا فتجاورها مصر الحرة وتونس الحرة.
في 1991 كان أهم مصدر للعالم كله مراسل الـCNN بيتر أرنيت، في فندق الرشيد لبث الأخبار من بغداد. أما اليوم، فللعالم فيسبوك وتويتر ويوتوب.
في 1991 كان الرئيس الأميركي هو جورج بوش الأب، أما الرئيس الأميركي اليوم فهو باراك أوباما.
ما نُلاحظه في الجدل حول ليبيا الآن، هو أن الذين كانوا ضد تغيير النظام في العراق ومع التغيير في ليبيا، في حيرة من أمرهم. ولا يمكن لومهم على ذلك، لأن من الصعب جدا أن يجد المرء تبريرا أخلاقيا لمعارضة الإطاحة بصدام. الطريق الأسهل للخروج من المأزق الأخلاقي لهؤلاء، هو الاقتناع بأن الإطاحة بصدام جاءت متأخرة اثنتي عشرة سنة.
وللتذكير فقط، وبدون مقارنة في فداحة الجرائم، فإن صدام كان قاتلا أسوأ بكثير من القذافي. الكل يتذكر حروب الإبادة التي شنها على العراقيين، وجرائمه ضد الإنسانية.
بالنسبة للعراقيين، وبغض النظر عن الجدل الدائر خارج العراق آنذاك، بفعل عدم الاطلاع على ما كان يجري في زمن الطاغية، فإن الإطاحة بصدام كانت تحريرا من كثير من القيود.
أما بالنسبة للذين يعارضون "العدوان الدولي" على ليبيا، فنقول لهم: الأيام التي كان العالم فيها يحملكم على محمل الجد، بوصفكم معنيين بشؤون السياسة، باتت معدودة، وقريبا ستصبحون أضحوكة الجميع في فيسبوكستان وتويترستان.
أو ربما سيظهر للعيان أنكم كنتم المستفيدين من هذه الأنظمة، كما في العراق، بعد شيوع قسائم النفط التي وزعها على المطبلين والمزمرين لنظامه، والباكين اليوم عليه.
العالم تغير، وأصبحت نهاية أمثال صدام والقذافي والآخرين مسألة وقت فقط.
وعلى الرغم من كل ما حدث في العراق، فإن البلاد اليوم أفضل بكثير من عراق صدام. لا يستطيع أي عراقي أن يتصور طبيعة بلاده اليوم، لو لم تتم الإطاحة بصدام، والعالم العربي الجديد سيكون مكانا أفضل بكثير، بدون حكام مدى الحياة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق