أثارت القراءة الأولى لمسودة قانون حماية الصحفيين المقترح من قبل النقابة نقاشا من نمط آخر في الوسط الإعلامي العراقي. نقاش جديد على العراق لأنه ليس بين الشيعة والسنة، أو بين الكرد والعرب. ليس صراعاَ على أرض متنازع عليها أو على توزيع موارد وثروات، وإنما نقاش بين من يحنّون إلى الماضي ومن يتطلعون إلى المستقبل.
وتجلى ذلك بوضوح أثناء مناقشة مسودة القانون في المجلس الثقافي للنائبة صفية السهيل الأسبوع الماضي في بغداد. وأظهر النقاش، الذي جمع المعنيين بالقانون، التحديات الحقيقية التي تواجه بناء عراق جديد بعيد عن العقلية التي ألحقت الدمار به.
ومن دون الخوض في تفاصيل الثغرات القانونية وعدم دستورية المسودة، أسفر النقاش عن المشكلة الرئيسية في المسودة وهي الفلسفة والعقلية التي كتبت بها. فكاتب المسودة عرّف الصحفي كونه عضوا في النقابة كالطبيب والمهندس والمحامي وغيرهم متجاهلا، أو جاهلا، طبيعة العمل الصحفي اليوم. الأمر الذي يثير الكثير من التساؤلات: من هو الصحفي؟ ماهو دوره؟ من الذي يجب أن يحظى بالحماية؟ لماذا ينبغي أن يستحق الصحفي بالذات الحماية؟
والسؤال الأهم هنا، لماذا يجب على الدولة أن تلتزم بقانون يفرض عليها أن تقدم معاملة خاصة لذوي أكثر المهن المثيرة للجدل في التعريف؟
من أكثر المهام الصعبة في هذا العصر الرقمي هو تعريف الصحفي. فالدور التقليدي للصحفي آيل إلى الزوال، إن لم يكن قد زال. فمع كل يوم جديد وجهاز جديد تبرز أنماط جديدة من الصحافة والصحفيين.
لا يمكن أن توضع هذا الأنماط الجديدة من الصحافة والصحفيين ضمن التعاريف التقليدية. فقد لايمتهن هذا الصحفي الجديد كتابة التقارير والأخبار، قد لايجيد استخدام المايكروفون والكاميرا. بعضهم ليسوا أعضاءاَ في أية نقابة، فضلا عن أن معظمهم لا يريد أن يسمى صحفيا.
ولكن رغم هذه المفارقات يتمتعون بجمهور أكبر من جمهور أية وسيلة اعلام أخرى، جمهور فيسبوكستان وتيوترستان الذي ينتج هو ايضاَ الأخبار والصور واللقطات المصورة من محيطه.
معظم الصور واللقطات التي تصدرت نشرات الأخبار في السنين الماضية كانت بأجهزة غيرمعرفة بأنها "أدوات عمل صحفي" ونشرت في وسائل "غير إعلامية" كالفيسبوك والتويتر واليوتيوب. مشاهد أبوغريب، إعدام صدام، خروقات الجنود العراقيين، إطلاق النار على المتظاهرين... إلخ. جميعها أدلة واضحة على هذ الواقع الجديد الذي يتغير لاعبوه، أدواته وقواعد لعبته السحرية باستمرار.
ففي الفيسبوك، بلغ عدد الموجودين في الشبكة والذين كتبوا في ملفاتهم التعريفية أنهم من العراق 625 الفاَ. فيما كان هذا العدد لايتجاوز 325 ألفا قبل ثلاثة أشهر.َ لاتوجد أية وسيلة إعلام اليوم تتمتع بهذا العدد وهذه النسبة من التزايد في جمهورها.
وكنتيجة منطقية لهذا التطور الذي يشهده العالم، يدور الجدل حول مهنة الصحافة بعد الصحف والتلفزيون والراديو وليس حول تعريف الصحفي ودوره.
الحقيقة "المرة" للبعض هو أن هذا الموضوع لم يعد مهماَ بعد اليوم. المهم اليوم هو أن تصل المعلومة للجمهور، والسؤال الذي يليه هو: ماهي الطريقة التي تقدم بها هذه المعلومة؟ هل هي صادقة أم لا؟ أما سؤال من هو ناشر المعلومة يأتي هذه الأيام في الأخير.
وفي ضوء هذه الحقيقة، توجد طرق وإستراتيجيات أخرى لخلق جو جديد يهيئ العراق ونظامه السياسي للمستقبل ويجعل منه بلدا قادرا على مقاومة الزلازل التي تجتاح المنطقة.
فالبلاد اليوم في أمس الحاجة إلى قانون يكفل للجميع حق الحصول على المعلومة اولاَ. حينها ينظر في أمر الحماية من جديد ويتم تحديد الحاجة إليها إن وجدت أية جماعة تحتاجها في ظل هكذا قانون.
أما اليوم، وإذا تم إقرار مسودة القانون سيتحول الإعلام العراقي إلى شيء أشبه بالإعلام المصري القديم والذي مازال البعض ممن ينشدون إلى الماضي يعتزون به. فالمشهد الإعلامي كان منقسماَ إلى معسكرين:
معسكر ممول من قبل الحكومة لا يمانع تشويه الحقيقة (عينك – عينك) في صورة التقطت في البيت الأبيض، عبر تبديل مكان مبارك ووضعه أمام أوباما في وقت نشرت جميع صحف العالم الصورة الأصلية. كان هذا النمط من الإعلام يتمتع بامتيازات الدولة وكانت الحكومة راضية عنه. وفي نفس الوقت كان الإعلام الآخر يجتاح البلاد ويتزايد استخدام الفيسبوك والتويتر وعدد الصحفيين الجدد الذين غيروا النظام وإعلامه التقليدي فيما بعد.
الخلاف اليوم هو بين الذين ينشدون إلى الماضي والذين يتطلعون للمستقبل. لو لم نتقبل حقيقة أن السبب الوحيد للنظر إلى الوراء هو لبناء المستقبل، سيواجه العراق الجديد نفس المصير.
وخلاصة الكلام: على المشرع العراقي اليوم أن يقرر ما إذا كان الحاضر هو استمرار للماضي أم بداية للمستقبل.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق