أعادت زيارة وزير الدفاع الأميركي للعراق بشقيه العربي والكردي موضوع العلاقة مع الولايات المتحدة الى مقدمة النقاش مرة أخرى، والواضح هنا هو وجود عراقين اثنين واميركا واحدة. عراق كردي واضح في رغبته الحقيقية بإقامة امتن العلاقات وأطولها أمداً مع الولايات المتحدة. أما العراق العربي فتارة يريد وأخرى لايريد، والموقف السائد (أو الأعلى صوتا) هو أن العراق العربي يكره اميركا ويريد أن يرى نهاية الوجود الاميركي اليوم قبل الغد.
والملاحظ هنا هو أن كلا العراقين يفتقدان إلى شي من الواقعية في آمالهما للعلاقة مع الولايات المتحدة. بقليل من التأمل نرى أن علاقة العراق الكردي تتأرجح بين مساعدته للاميركان في حل قضايا بغداد وبين مطالبته للجانب الاميركي بمساعدته بحل قضاياه العالقة مع المركز كقضية كركوك والنفط والبيشمركة.
وغالبا ما تذمر الكردي من الأداء الاميركي والاميركي تذمر من "عدم الثبات" الكردي بالرغم من ثباته على الرغبة في إقامة العلاقات معها. أما العراق العربي فعلاقاته مختلفه وتأثرت هذه العلاقه بالكثير من العوامل الداخلية والخارجية.
داخليا، وعلى الصعيد الشعبي خلق التواجد اليومي للعسكر في الشوارع سخطا كبيرا على الاميركان، حتى الاكراد الذين كانوا يعملون او يسافرون الى بغداد اصبحوا من الممتعضين من الوجود الاميركي.
وخلقت ازدواجية السلطة العسكرية اليومية في السنين الماضية الكثير من المشاكل بين العراق العربي وبين اميركا والعامل الآخر في سوء العلاقة كانت علاقة الولايات المتحدة بدول الجوار. والمفارقة هنا هو أن الدولة الوحيدة التي اعترفت بالعراق الجديد وأرسلت سفيرها له هي اكبر أعداء الولايات المتحدة، إيران. والمفارقة الأخرى هي ان اكبر اصدقاء الولايات في المنطقة لازال غير معترف بالعراق الجديد، السعودية.
وكانت لهذه الحيرة السياسية والحكومية والشعبية دورها في العلاقة الزئبقية بين العراق والولايات المتحدة هذا الحال المعقد للعلاقة مع الاميركان يخلق الكثير من الغموض حول المستقبل ولكن الشي الواضح الوحيد هو أن يوم الانسحاب الكامل للاميركان من العراق آت لا محالة.
والسبب بسيط: الولايات المتحدة تغيرت، المنطقة في تغيير دائم والعراق بشقيه العربي والكردي في تغيير دائم أيضاً.
المهم هنا أن يكون العراقَين مستعدان لهذا اليوم ولايبدو ان لدى اي منهما جوابا واضحا لهذا السؤال.
بالرغم من صعوبة وجود الجواب الواضح، نستطيع تشخيص بعض المعالم الواضحة للمستقبل، فبعد الانسحاب وتغيير الأنظمة في المنطقة (إن شاء لله) لن يحتاج الجانب الاميركي للبقاء في العراق كاليوم.
فالعراق العربي متجه لا محالة إلى استقرار أكثر وبالتالي ستنتفي الحاجة أكثر وأكثر للتظاهر ضد الاميركان وإلقاء اللوم عليهم في كل صغيرة وكبيرة.
أما العراق الكردي، فسيفقد المكانة والعلاقة الخاصة التي يتمتع بها اليوم. والتحدي الأكبر لكلا العراقَين هو أن يجدا صيغة جديدة لعلاقة لابد منها مع الاميركان. والطريقة الوحيدة لإيجاد هذه الصيغة هي العمل على ترتيب البيت العراقي وتطبيع العلاقة بين أربيل وبغداد بوضع الحلول الدائمة للقضايا العالقة بينهما بعيداً عن التأثير الاميركي، لأن الحل العراقي سيكون الضمان الوحيد لاستقرار علاقة أربيل وبغداد بعد الانسحاب الاميركي. أما العراق العربي، فعليه أن يكون أكثر صراحة مما يريد من الاميركان، فالموقف المسموع والأعلى صوتاً هو رفض الاميركان، أما في الغرف المغلقة تكون المطالبة ببقائهم أكثر، في بعض الأحيان، من المطالبة الكردية.
العراق مقبل على مرحلة ما بعد اميركا. درجة الهدوء الداخلي واستقراره السياسي واستقرار علاقاته الإقليمية ستحدد طبيعة العلاقة بين العراق الجديد واميركا الجديدة.
فإما أن تكون كعلاقتها مع دول الخليج "وحلفائها" الآخرين في المنطقة، أو كعلاقاتها بالديمقراطيات الغربية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق