"مشروع قانون حماية الصحفيين في العراق يجب ان يسمى مشروع قانون حماية نقابة الصحفيين"، كما ذكر الاستاذ كامران قرداغي على صفحته في فيسبوك امس. "فالمشروع ينص على تعريف الصحفي بأنه كل من ينتمي الى نقابة الصحفيين، اي انه يحعل النقابة بمثابة "الأخ الأكبر". يعني هل العراق مازال دولة توتاليتارية حتى يفرض على الصحفي الانتماء القسري الى النقابة؟ الصحفي هو من يمارس العمل الصحفي ويجب ان يكون حرا في ان ينتمي او لا ينتمي الى اي نقابة".
ومع احتدام النقاش حول مسودة هذا القانون تتضارب الآراء حول السبيل الأفضل للخروج بحل يتجاوب مع المرحلة التي تمر بها صحافة العراق بين الذين يحنون إلى الماضي والذين يتطلعون إلى المستقبل. كما كتبت في السابق، لو تم إقرار المسودة كما هي، سيتم إلغاء اي شئ اسمه صحافة حرة في البلاد وسيُخلق جو شبيهٌ بصحافة مصر القديمة التي انهارت مع إنهيار النظام أو ساهمت في انهياره. سيخلق هذا القانون مجموعة من الصحفيين المهادنين للسلطة باحثين عن امتيازات، ومجموعة صحفيي "الهامش" الذين ليسوا أعضاءا في النقابة و سيصبحون المصدر الرئيسي للكل عن أخبار البلاد.
يقع الباحث عن مخرج لهذه الأزمة أمام خيارين.
الأول: اقرار المسودة وخلق جو شبيه بصحافة الدول العربية التي تتساقط الواحدة تلو الأخرى ومع أول قضية تحت هذا القانون ستظهر الثغرات أو الفجوات الهائلة فيه. الثاني: عدم اقراره وبالتالي يضعنا هذا أمام خيارين: الخيار الأول هو تعديل قانون نقابة الصحفيين القديم إذا كان المطلوب من القانون هو توفير امتيازات لأعضاء النقابة. الخيار الثاني والأفضل من هذا و ذاك، هو سن قانون يوفر للجميع الحق في الحصول على المعلومة. هذا القانون سيلبي إحدى الإلتزامات الدولية للعراق تحت اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد لعام 2004 والتي تلزمه بسن هكذا قانون. الفائدة الكبرى لهذا القانون هو إيجاد جو ملائم للعمل الصحفي في العراق أي توفير البيئة الملائمة للصحفي بتوفير الحماية الحقيقية له عن طريق إجبار مالك المعلومة على توفيرها للجمهور ومنهم الصحافة. تشريع كهذا سيساهم بشكل كبير في نشر الوعي الحقيقي حول دور الصحفي في المجتمعات الديمقراطية وبالتالي إلى فهم واستيعاب أكبر لطبيعة العمل الصحفي المتغيره كل يوم والذن يشكل أحد أهم دعائم حماية الصحفي اليوم. فالمطلب الأكثر إلحاحا اليوم هو فهم رجل الامن أو حتى المسلح سبب وجود الصحفي أو صاحب الكاميرا، في الشارع والتقاطه للصور. المطلوب هو أن يفهم الجميع بأن التقاط الصور والحصول على المعلومات حق طبيعي له وللآخرين وأن ما يقوم به الصحفي هو اسداء خدمة للجميع. هذا الوعي هو مايشكل الحماية الأفضل للصحفي.
ثمة فائدة أخرى كبيرة وإنجاز تأريخي كبير سيسجَّل للمشرع العراقي بإقراه هكذا قانون هو أنه سيضع اللبنات الأولى لتأسيس عراق يتقلص فيه حيز الفساد أمام حيز كبير للشفافية التي سيوضحها قانون الحصول على المعلومة. العراق اليوم يعتبر في مقدمة الدول التي تعاني من الفساد بجميع أنواعه ومن أكبر أسباب ذلك هو السرية التامه التي تحيط تداول الوثائق الرسمية والملفات المرتبطة بحكم البلاد وإدراة المؤسسات فيها.
هذه الأجواء هي التي خلقت البيئة الملائمة للفساد وسن القانون سيفتح الكثير من الملفات أمام الصحافة والمواطن العراقي.وبالعودة إلى مسودة قانون حماية الصحفيين وبالنظر إلى التحديات التي تواجه عراق اليوم: تحدي القضاء على الفساد، وجود شفافية حقيقية، ضمان حريات أكبر، وجود صحافة أكثر حرية ومهنية، فإنه لايوجد شيء في مسودة القانون يجيب على أي من هذه التحديات أو يؤسس لبناء عراق يواكب مايجري حوله. نعيد مرة أخرى ونقول ان القانون سيعيد العراق إلى مصاف النظم الشمولية المقيدة لحرية الصحافة و القابعة في أواسط القرن الماضي والمتساقطة الواحدة تلو الأخرى. وإقرار قانون حق الحصول على المعلومة سيضع العراق مصاف الدول التي تحاول أن تكون من الديمقراطيات الحديثة بوجود رغبة حقيقية في التخلص من الماضي وتركته التي خلقت عراق الديكتاتورية والإرهاب والفساد.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق