الجمعة، مايو 06، 2011

عدالة انتقالية عرجاء

ستنتهي قريباً اعمال محكمة الجنايات العراقية العليا المختصة بجرائم نظام صدام مسدلة بذلك الستار على حقبة مهمة في العراق الجديد. حقبة من العدالة الانتقالية التي من المفروض ان يكون اغلاقها تتويجاً لجهود سابقة او إيذانا ببدء عصر تمثل العدالة فيه حجر الأساس. والمقصود بكلمة عدالة هنا ليس العدالة الجنائية او القضائية بل كافة أشكالها الأخرى.

تعتمد الكثير من البلدان الشبيهة بالحال العراقي على جملة من الاجراءات فبالإضافة للدعاوى الجنائية تشكل لجان التحقيق في الانتهاكات الخطيرة التي جرت في السابق وتكتب التقارير المفصلة حولها. بالإضافة الى إجراءات اخرى كالتعويض والاعتذارات الرسمية واصلاح اجهزة الامن التي قامت بتلك الانتهاكات، وتخليد ذكرى المجازر والجرائم.
وتؤكد التجارب الاخرى للعدالة الانتقالية ان نجاح هذه الاجراءات مرهون بشموليتها وترابطها. وفي النموذج العراقي ارتبط مفهوم العدالة الانتقالية بعدد من العناوين المختلفة فبالاضافة الى المحكمة الجنائية، كانت تسوية نزاعات الملكية واجتثاث البعث والمصالحة الوطنية من اهم العناوين التي تلازمت مع هذا المفهوم. لكن المفارقة تأتي في عدم ارتباط او تزامن هذه الاجراءات المختلفة مع بعضها البعض. فأعمال المحكمة على وشك الانتهاء او انتهت. بينما نزاعات الملكية لازالت تراوح مكانها حالها كحال المصالحة الخجولة غير المعلنة في الكثير من الحالات، فالحديث عنها اصبح كالجفرة. فلم يعد واضحاً ما اذا كنت متصالحاً بانضمامك للعملية السياسية او للعملية الامنية كالصحوات، ام لا. فالانضمام للعراق الجديد اصبح مرهوناً بالامتيازات الشخصية او المناطقية وليس بالمصلحة العامة او انطلاقا من الايمان بالنظام الجديد. ولهذا قد تكون يوماً هنا او يوماً هناك، "قد هنا وقدم هناك" والسبب الرئيسي هو عدم وجود رؤية واضحة لمستقبل العراق التعددي الحاضن لجميع طوائفه واعراقه.
رؤية كهذه تأتي فقط من وجود قيادة قوية لعملية المصالحة تجعلها من اولويات اي حكومة. ولعل من المفيد ان تتم الاستعانة بالتجربة الكردية في المصالحة. فبعد السيطرة على اول مدينة (رانيه) في انتفاضة 1991 أعلنت الجبهة الكردستانية وهي التحالف الذي يضم جميع القوى الكردية، بيان المصالحة الوطنية والذي قلب الموازين رأساً على عقب بالنسبة للنظام الصدامي. وحالما نُشر البيان أنضم الكثير من المتعاونين مع النظام السابق الى صفوف الانتفاضة وكانت تلك نهاية صدام في كوردستان الى حد كبير.
الاجراء الرئيسي الثاني الذي لم ينجز لحد الآن او لم ينجز بالشكل المطلوب، هو ملف اجتثاث البعث الذي سيس إلى أبعد الحدود في بعض الاحيان وترك الكثيرين من الذين كان من المفروض أن يشملوا بالاجتثاث وحتى المحاكمة، طلقاء. وفي نفس اماكن عملهم ان لم يكونوا في مناصب اعلى منها.
في الشهر الماضي وفي مؤتمر حقوق الانسان والقانون والاعلام الذي اقامه معهد صحافة الحرب والسلام قال السيد بختيار امين وزير حقوق الانسان الاسبق واحد اهم خبراء قضايا العدالة الانتقالية "في الكثير من مفاصل العراق لازال الجلاد القديم هو الحاكم، والضحية القديم محكوما". ونلاحظ الكثير من هذه الحالات في الكثير من مجالات الحياة في الحياة العامة في العراق. وفي وقت يذرف البعض دموع التماسيح على العراق الجديد لازالت ملفات اجتثاثهم تنتظر في مكاتب هيئة الاجتثاث. وبإلقاء نظرة شاملة على كل مؤسسات او اجراءات عدالتنا الانتقالية نرى انها تأخذ المنحى العكسي للمسار المرجو لها.
فالهدف الرئيس للعدالة الانتقالية بحسب المركز الدولي للعدالة الانتقالية هو تحقيق الاعتراف الواجب بما كابده الضحايا من انتهاكات، وتعزيز إمكانيات تحقيق السلام والمصالحة والديمقراطية. وفي العراق يتمثل التحدي الاكبر لنا في ضمان عدم تكرار الانتهاكات والجرائم مرة اخرى بإصلاح النسيج الاجتماعي الممزق والعمل سوية على بناء مستقبل امن للجميع.
بالنظر الى الطريقة الهادئة او حتى غير الملحوظة للكثير من العراقيين، التي انهت بها المحكمة اعمالها والتي باتت اخبارها اشبه بنشرات الطقس الجوي عبر التلفزيون، نتيقن ان الكثيرين لازالوا ينتظرون الانجاز الاكبر لتتمكن عدالتنا الانتقالية العرجاء، من السير بشكل سليم والوصول بالبلاد الى بر الامان

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق