الأحد، مايو 15، 2011

المستقبل الآن!

يصف الدستور الدولة العراقية الجديدة بأنها دولة اتحادية وديمقراطية، ولن يسن فيها اي قانون يتعارض مع ثوابت الدين الاسلامي والديمقراطية، ولكن التطبيق العملي لذلك يكاد يكون عكسيا.

ويبرز ذلك عندما يحاول المشرع في العراق الجديد، ان يسن قوانين الحياة في شتى المجالات، ويحاول في الوقت نفسه، ان يستجيب لمتطلبات العصر الحديث وتحدياته.
والمشكلة الكبرى لنا في العراق، هو عدم معرفتنا بهذا العالم الجديد أو في بعض الأحيان تجاهلنا له، والاكتفاء بالقول إن العراق يختلف عن باقي العالم، كما كانت سوريا مختلفة عن باقي العالم، ونرى اليوم ما يجري فيها.
في الدولة الحديثة التي نحاول جميعا ان نرسي دعائمها، لا يمكن ان يتم تجاهل المبادئ والقيم الإنسانية العالمية في الحقوق والحريات. واللافت هنا هو ان البعض لا زال يحاول أن يعيد معالم الماضي الشمولي الديكتاتوري الى زمننا هذا؛ زمن لم يعد يتحمل هذا النوع من الحكم، والنظام السوري خير دليل على ذلك.
وبشيء من التمعن في أسباب بقاء هذا النوع من التفكير، وفي بعض الأحيان سيطرته على عملنا، نرى أن السبب يتأرجح بين عدم المعرفة أو الجهل بعالم اليوم، وبين المعرفة الجيدة بما يجري والمحاولة الجدية لإرجاع العراق إلى زمن الشمولية والديكتاتورية، واتهام كل من يقف بوجههم بالعمالة للأجنبي، وبوجود أجندات خارجية لتعطيل مسيرة العراق. إنها مصطلحات اكل الدهر عليها وشرب، والمضحك المبكي في ذلك هو إيمان بعض قادة العراق الجديد بصحة هذا الكلام.
إن مشروع قانون حماية الصحفيين، او قانون حماية نقابة الصحفيين كما ذكر الصحفي العراقي البارز الاستاذ كامران قره داغي، ومشروع قانون هيئة الاتصالات والاعلام أدلة جيدة على ذلك.
ففي مشروع قانون حماية الصحفيين، يحاول من كتب المسودة أن يعيد العمل الصحفي وحرية التعبير في العراق إلى زمن أهل الكهف، مختبئا وراء المطالبة بالامتيازات للصحفيين المصابين أثناء تأديتهم مهامهم، وجعل الصراع بين المؤيدين والمعارضين للبنود التي تخلق وزارة اعلام جديدة، والتي تحد من الحريات الصحفية وتحولها إلى صراع بين الخير والشر أو بين العراقي والاجنبي، بالرغم من أن جميع المعارضين هم من الاقلام العراقية البارزة.
وبقراءة سريعة لمشروع قانون هيئة الاتصالات والاعلام، نرى أن المسودة تعاني بعض الثغرات المنافية لروح العصر الحديث ومتطلباته. فالمسودة تحاول أن تضع لائحة للسلوك الاخلاقي في إطار قانوني، في وقت ينبغي لهكذا لائحة أن تكون عقدا طوعيا للصحفيين والعاملين في المجال الاعلامي، والهدف من ذلك هو التأسيس لمهنة ذات سمعة حسنة وحرفية عالية، عن طريق وضع اساسيات المهنة بعيدا عن الاطر القانونية التي ستؤدي بالنتيجة إلى الرقابة، ومقص الرقيب الذي أصبح من سمات الماضي.
تفتقر المسودة إلى عدم فهم أو عدم وضوح في تعريف وسائل الاعلام الحديثة، فضلا عن عدم وجود آليات تضمن الشفافية في عمل الهيئة ورقابة الجمهور على عملها، الامر الذي سينفر المستثمرين الحقيقيين في مجال الاتصالات والاعلام، وبالتالي صعوبة تطوير هذا الحقل أو الرقي به وبالبلاد إلى مصاف الدول المتطورة.
سيناقش مشروع قانون هيئة الاتصالات والاعلام والقضايا المتعلقة بحرية الانترنيت والحصول على المعلومة في مؤتمر يعقد في أربيل غدا، بالتعاون بين دائرة تكنولوجيا المعلومات في حكومة إقليم كوردستان والمجلس الدولي للبحث والتعاون IREX.
إن مسيرة وصول العراق إلى الدولة الحديثة ليست سهلة، وكل تشريع جديد وقرار جديد يمثل منعطفا وتحديا جديدا لنا جميعا، بأن نجعل من العراق بلدا رائدا في الشرق الاوسط والعالم العربي، في فهم العصر الحديث ومتطلباته وترجمة ذلك إلى ممارسات فعلية في ديمقراطية ناشئة، تحاول أن تترك ماضي الشمولية والحزب الواحد والارهاب، وأن تصل إلى عراق الديمقراطية والتعددية والاستقرار، والفرق بين الاثنين هو اتخاذ القرار الصائب في أوقات كهذه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق