سيضيف قرار رئيس الوزراء نوري المالكي بنقل جلسات مجلس الوزراء على الهواء مباشرة من أجل تقييم المائة يوم، تعقيدا جديدا للأداء الوزاري وسيفتح بابا جديدا للتساؤلات من قبل المواطنين الغير مطلعين في الغالب على تفاصيل العمل الحكومي اليومي، وقد يحول ذلك مجلس الوزراء إلى منبر للخطابة والبلاغة والدعاية وليس إلى مكان للعمل والنقاش الهادئ بهدف البناء والإصلاح مما يضيف عائقاً جديدا لعمل الوزارات والحكومة.
قرار الشفافية هذا سيحمل معه الكثير من التبعات والتعقيدات التي لا تحتاجها الحكومة الآن، وقد يضيف المزيد من الارباك للأداء الوزاري الذي هو اليوم في أمس الحاجة إلى التنظيم و توحيد الرؤية والشعور بالمسؤولية الحقيقية أمام التحديات المحدقة بالبلاد.
المشكلة في القرار تكمن في عدم وجود بنية تحتية قانونية ومؤسساتية حقيقية لتوفير المعلومة للجمهور. ففي وقت يمنع القانون العراقي الموظف من الإفشاء باسرار الوظيفة مهما كانت صغيرة، غير مؤثرة أو ذات فائدة كبيرة للمصلحة العامة، ستبقى تفاصيل العمل اليومي للوزارات سرا كبيرا للجميع.
كان بالامكان أن يسبق رئيس الوزراء هذه القفزة بخطوة هامة جدا وهي العمل على تشريع قانون يكفل للمواطن حقه في الحصول على المعلومة ويجبر الدوائر المختصة والوزارات على الالتزام بإعطاء المعلومة للمواطن وجعل المعلومات الخاصة بالدائرة أو الوزارة متاحة للجميع.
ففي معظم البلدان الملتزمة بالشفافية في العمل الحكومي توجد تشريعات تكفل للجميع الحق في معرفة مايجري في الحكومة وتجبر الموظف الحكومي أن يعمل ما في وسعه من أجل سلاسة تدفق المعلومة إلى الجمهور.
ومن أهم الفوائد الأخرى لهذه القوانين هو تنظيم العمل الإعلامي والارتقاء به إلى درجات عالية من المهنية والعمل الجاد. فالهدف الرئيس لأية خطوة تساهم في خلق شفافية أكثر هو أن يعرف الجمهور أكثر ويتابع ما يهمه من عمل الحكومة، حينها يمكن للمواطن أن يرفد الأداء الحكومي بالأسئلة الصحيحة ويشارك في تقييم أداء الوزارات ويعرف من هو الكفوء ومن هو المتلكئ أو المقصر في عمله ومن هو الخطيب والبليغ والخبير في تغطية تقصيره عن طريق الخطب النارية في اجتماعات مجلس الوزراء المتلفزة.
والمتبع في البلدان التي تتبنى مبادئ الشفافية هو أن تكون جلسات مجلس الوزراء بعيدة عن الكاميرات لكن معلومات العمل اليومي تكون متاحة للجميع. المفارقة هنا هو أن ما سيجري في العراق هو العكس تماما، ففي غياب قانون للشفافية في العمل الحكومي، سيحدث إرباك كبير في الأداء وسيصبح الوزير هو المصدر الوحيد للمعلومة، في وقت يكون آخر ما يحتاجه المواطن هو الخطب الرنانة وإلقاء اللوم على الآخرين في محاولة لإيجاد التبريرات للفشل،عندها سيتحول اجتماع مجلس الوزراء إلى استعراض للملكات الخطابية للوزير، متلكئاً كان أم كفوءاً، وإلى مصدرٍ آخر للانقسامات والإرباك السياسي في البلاد.
من الواضح أن سبب قرار فتح الجلسات هو وضع الوزراء المفروضين على المالكي أمام الجمهور والاحتكام إلى الشارع ولكن المشكلة في هذا النوع من التحكيم هو عدم ضمان نتائج الخطوة وعدم دقة المعلومات التي ستتوفر للمشاهد من خلال اجتماع واحد لاتخاذ القرار الصحيح أو تشكيل الرأي الصائب بشأن الحكومة أو الوزير.
يستطيع رئيس الوزراء أن يجبر الوزراء وخاصة الخدميين منهم أن يحسنوا من الأداء المعلوماتي لوزاراتهم، وأن يشركوا الجمهور أكثر بايجاد الآليات المناسبة لتوفير المعلومات وفتح الأبواب أمام الجميع واعطاء المعلومات الكافية للجمهور عن سير العمل في الوزارات، وسير تنفيذ المشاريع الموكلة إلى الوزارة المعنية بشكل دائم.
في غياب البنية التحتية القانونية والمؤسساتية والبيئة السياسية للأداء الحكومي الشفاف، سيبقى تقييم الأداء الحكومي مسيّسا سواء كانت اجتماعات الحكومة على الهواء مباشرة أم لا.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق